يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

569

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

رصيف في الماء طوله ستمائة ذراع أو أزيد ، وعرضه عشرون ذراعا ، وارتفاعه فوق الماء ثلاثة أذرع . فإذا هاج البحر غطى الماء ذلك الممشى ، ولكنه بحر لين بسبب الجزيرة والأحجار التي حول ذلك الموضع فيمشي الماشي عليه في الماء إلى الكعبين أو نحو ذلك ، فإذا انحسر الماء مشى في اليبس . والمنارة في آخر الجزيرة ، وهي مربعة ، كل وجه خمسة وأربعون باعا ، والبحر يكثر في الممشى الذي حول البناء من جهة الشرق والجنوب ، بينه وبين الجدار اثنا عشر ذراعا ، وارتفاعه من الماء إلى الهواء ذلك المقدار ، إلا أنه من جهة البحر أوسع ، أعني أوّل البناء الذي على الحجارة تحت الماء كأنه جبل ، ثم كلما طلع البناء ضاق حتى يرتفع على وجه الأرض ، ويبقى بينه وبين جدار المنارة القدر المذكور أوّلا ، وقد أحكم إلصاقه وبناؤه ، وأفرغ بالرصاص في أقفال من حديد تمسك ذلك الكدان المنحوت ، الذي كل كدانة منه أطول من لوح البناء وأغلظ من عرضه ، وهذا البناء الذي أصفه محدث ، لأنه كان قد انهد ذلك الجانب فبني أحسن من البناء القديم . وفي الحائط الذي يلي البحر من جهة الجنوب كتابة بالخط القديم ، لا أدري ما هو ، وليست كتابة بقلم ، إنما هي صور وأشكال من حجارة صلبة طوال سود ، قد أدخلت في الكدان ، وقد أكل البحر وهواؤه الكدان ، فبرزت الحروف لصلابتها ، طول الألف منها فوق الذراع ، ورأس الميم قد خرج من البناء كمدور فم البرمة الكبيرة . وهكذا أكثر تلك الحروف على هذا الشكل ، وباب المنارة مرتفع عن الأرض ، قد بني له ممشى طوله نحو مائة باع ، وتحت الممشى قبة قسي شبه القنطرة ، يدخل الفارس تحت القوس منها ، ولو رفع يده ما أدرك السمك في الكبار منها ، وعددها ستة عشر قوسا ، أوّلها قصير . ثم كلما مضى ارتفع حتى يتصل آخرها بالباب ، وهو أرفعها سمكا . ودخلنا على الباب فمشينا نحو أربعين باعا ، فوجدنا على اليسار بابا مغلقا لم ندر ما فيه ، ومشينا نحو ستين باعا ، فوجدنا بابا مفتوحا ، فدخلنا من بيت إلى بيت ثمانية عشر بيتا ، سوى الزقاق التي نمشي فيها ، وهي بيوت ينفذ بعضها إلى بعض ، وحينئذ علمنا أن جوفه فارغ ، وإنما عددنا من عن يمين الزقاق ويساره ؛ ومشينا ستين باعا ، فوجدنا أربعة عشر بيتا ، ومشينا أربعة وعشرين باعا ؛ فوجدنا سبعة عشر بيتا ، ومشينا خمسة وخمسين باعا ؛ وانتهينا إلى الحزام الأول ، وليس هناك درج ، إنما هي أرض مرتفعة قليلا تدور بعجل عظيم . تجد عن يمينك غلظ الحائط الذي لا ندري قدره ، وعن يسارك العجل الذي فيه البيوت المذكورة ، كأنك تمشي في زقاق سعته سبعة أشبار ، وفوق الرأس سقف ألواح من حجارة ، رأينا إذا طلعناه فارسا يهبط وآخر يصعد ، حتى التقيا في الطريق ، ولم يضيق أحدهما على الآخر . فلما انتهينا إلى الحزام